حسناء ديالمة
205
الفكر التربوي الإسلامي عند الإمام جعفر بن محمد الصادق
نصيبه من الدنيا ، وأخذ يسبق إلى مسائل العلم المادي لأنه رآها معينة على علوم الدين ولا غنى للدنيا عنها ، وكثير من مسائل العلم يشترك فيه الدين والدنيا فلا ينفصلان ، وقد صار له في كل ناحية منها خبرة تدل على أنه قد غاص إلى قرارها أو كاد » « 1 » . وعلى هذا تناولت محاضرات الصادق ودروسه جميع الفنون العلمية التي لها الأثر التام في التقدم الاجتماعي ، حتى قال بعض علماء الغرب : « يصح لنا القول بأن الصادق إن لم يكن هو الرائد المجدّد في جميع العلوم ، فهو دون أدنى شك في طليعة أولئك المجددين » « 2 » . والعلوم التي تناولتها مدرسة الإمام بالبحث والتدريس هي علوم الفلك ، والطب ، والحيوان ، والنبات ، والكيمياء ، والفيزياء ، فضلا عن العقيدة والفقه والأصول وعلوم القرآن وتفسيره وعلم الحديث . ولم يقتصر الإمام في أبحاثه على الناحية العلمية ، بل توسّع في محاضراته ، فشملت أصول الآداب والقيم الاجتماعية ، من مكارم الأخلاق ، والإصلاح الشامل في جميع المجالات . وهذا التعدد في العلوم يدلل على مدى عظمة مدرسة الإمام واتساع نطاقها العلمي ، حتى شملت هذه العلوم . * مراعاة التخصص في العلوم : اعتنى الإمام بالتخصص العلمي في مدرسته ؛ لأن للاختصاص دورا كبيرا في إنماء الفكر الإسلامي وتطويره يمكنّه من استيعاب الطاقات الكثيرة الوافدة على مدرسة الإمام من سائر أنحاء العالم الإسلامي ، وبالتخصص تتنوع العطاءات ، ويكون الإبداع وعمق الإنتاج ، ولذا وجّه الإمام أنظار تلاميذه إلى التخصص العلمي ، وتصدّى للإشراف على كل تلك التخصصات . فحاول إعطاء كل مجموعة من تلامذته علما معيّنا يختص به ولأن الإمام الصادق علم استعداد كل منهم ، ورعى مواهبهم ، فوجهها إلى ما يجلو فيها القدرة ويصقل الإمكانية ، ونتج من ذلك مجموعة كبار العلماء . فكلف أبان بن تغلب « 3 » بالفقه ، وأمره أن يجلس في المسجد ، فيفتي الناس ، وكان فقيها يزدحم الناس على أخذ الفقه عنه .
--> ( 1 ) عبد العزيز سيد الأهل ، جعفر بن محمد ، مرجع سابق ، ص 45 . ( 2 ) مجموعة من الباحثين ، الإمام الصادق في نظر علماء الغرب ، مرجع سابق ، ص 157 . ( 3 ) انظر إلى ترجمته في ص 81 .